الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
27
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و ( ثم ) تفيد التراخي الرتبي والتراخي الزمني معا . والردّ : الإرجاع . وجيء بفعل رَدَدْنا ماضيا جريا على الغالب في جواب ( إذا ) كما جاء شرطها فعلا ماضيا في قوله : فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا [ الإسراء : 5 ] أي إذا يجيء يبعث . والكرة : الرجعة إلى المكان الذي ذهب منه . فقوله : عَلَيْهِمْ ظرف مستقر هو حال من الْكَرَّةَ ، لأن رجوع بني إسرائيل إلى أورشليم كان بتغلب ملك فارس على ملك بابل . وذلك أن بني إسرائيل بعد أن قضوا نيفا وأربعين سنة في أسر البابليين وتابوا إلى اللّه وندموا على ما فرط منهم سلط اللّه ملوك فارس على ملوك بابل الأشوريين ؛ فإن الملك ( كورش ) ملك فارس حارب البابليين وهزمهم فضعف سلطانهم ، ثم نزل بهم ( داريوس ) ملك فارس وفتح بابل سنة 538 قبل المسيح ، وأذن لليهود في سنة 530 قبل المسيح أن يرجعوا إلى أورشليم ويجددوا دولتهم . وذلك نصر انتصروه على البابليين إذ كانوا أعوانا للفرس عليهم . والوعد بهذا النصر ورد أيضا في كتاب أشعياء في الإصحاحات : العاشر ، والحادي عشر ، والثاني عشر ، وغيرها ، وفي كتاب أرميا في الإصحاح الثامن والعشرين والإصحاح التاسع والعشرين . وقوله : وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً هو من جملة المقضي الموعود به . ووقع في الإصحاح التاسع والعشرين من كتاب أرميا « هكذا قال الرب إله إسرائيل لكل السبي الذي سبيته من أورشليم إلى بابل : ابنوا بيوتا واسكنوا ، واغرسوا جنات ، وكلوا ثمرها ، خذوا نساء ولدوا بنين وبنات ، وأكثروا هناك ولا تقلّوا » . و نَفِيراً تمييز « لأكثر » فهو تبيين لجهة الأكثرية ، والنفير . اسم جمع للجماعة التي تنفر مع المرء من قومه وعشيرته ، ومنه قول أبي جهل : « لا في العير ولا في النفير » . والتفضيل في ( أكثر ) تفضيل على أنفسهم ، أي جعلناكم أكثر مما كنتم قبل الجلاء ، وهو المناسب لمقام الامتنان . وقال جمع من المفسرين : أكثر نفيرا من أعدائكم الذين أخرجوكم من دياركم ، أي أفنى معظم البابليين في الحروب مع الفرس حتى صار عدد بني إسرائيل في بلاد الأسر أكثر من عدد البابليين .